الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
563
انوار الأصول
قلنا : إنّ أدلّة التقليد تشملها ويكون الرجوع فيها من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم من باب أنّه ليس لها متخصّص وخبير غير الفقيه ، نعم لو كانت هناك موضوعات يكون لها في العرف خبراء معروفون يجب الرجوع إليهم دون الفقيه . ومن الأمثلة التي يمكن أن تذكر في هذا المجال عنوان النظر المحرّم إلى الأجنبيّة فإنّه أيضاً من الموضوعات المشكلة من باب أنّ لها مصاديق معقّدة مبهمة ، فهل يصدق على النظر إلى تصوير الأجنبي في المرآة مثلًا أو الماء الصافي أو في تلفزيون عنوان النظر إلى الأجنبية أو لا ؟ هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى نعلم أنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها متابعة الظلّ لذي الظلّ وقد يتبدّل الموضوع بتبدّل الزمان أو المكان ، فترى الماء في المفازة والصحاري مالية فيجوز بيعه فيها ، بينما لا يكون له مالية على الشاطئ ، فيبطل بيعه ( هذا من قبيل دخل المكان في الموضوع ) وترى الشيخ رحمه الله يجوّز بيع الثلج في الصيف دون الشتاء لكونه مالًا في الأوّل دون الثاني ( وهذا من قبيل دخل الزمان في الموضوع ) . ومن أمثلتها الواضحة في يومنا هذا الدم الذي كان بيعه وشراؤه حراماً في الأزمنة السابقة باعتبار عدم وجود منفعة محلّلة معتدّ بها له . ولكن الآن لا إشكال في جواز بيعه وشرائه لما له من منافع محلّلة مقصودة ، حيث لا تنحصر منافعه في الأكل المحرّم أو الصبغ الذي يعدّ من المنافع النادرة ، فإنّ الدم في يومنا هذا عنصر حياتي يمكن به إنقاذ نفس إنسان من التهلكة ، ولذا تكون له ماليّة عظيمة محلّلة معتدّ بها لنجاة المصدومين والجرحى وكثير من المرضى ، لا سيّما في العمليات الجراحيّة فلِما لا يجوز بيعه في زماننا والحال هذا ؟ وكذا بيع الكُلْية وشراؤها لنجاة بعض المرضى الذين فسدت كليَتهم ، مع أنّها بعد فصلها عن صاحبها تكون بحكم الميتة ، ولا سيّما أنّها من غير المأكول ، فلم يكن بيعها في الأزمنة السابقة جائزاً لعدم منفعة محلّلة لها ، ولكن الآن جاز بيعها في زماننا هذا لتغيّر الموضوع وتبدّله ، ولذا يشترونها بالأثمان الغالية جدّاً ( نعم قد يقال : إنّها وإن جاز بيعها من هذه الناحية أي كونها ذات منفعة محلّلة مقصودة ، ولكن لا يجوز بيعها من باب حرمة بيع الميتة من كلّ شيء وإن كان لها منفعة مقصودة ، للنصوص الخاصّة الواردة فيها ، فالواجب حينئذٍ عدم جواز أخذ الثمن في مقابل نفسها بل في مقابل إجازة التصرّف في بدن صاحب الكِلوة فتأمّل جيّداً ) . ومن أمثلتها في عصرنا ما قد يقال في مسألة تقليل المواليد وأنّها كانت مرجوحة في